السيد كمال الحيدري

123

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وعندئذ سوف يتبيّن لنا ما تحمله جميع الأشياء - التي مرّت بنا في الحياة الدنيا - من رمزية وحكاية واضحة عن الحقّ سبحانه . وعندئذ تبطل في حضرة الحشر الأكبر جميع الأُطروحات التي أخفقت في تشخيص المصداق الحق ، وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ( الأنعام : 22 ) ، فتنجلي الغبرة عنهم لِيُروا قصور تشخيصهم ، وينطق الشركاء - المصاديق الكاذبة - بصوت واحد يبرؤون فيه من معبوديّتهم ؛ إذ لا معبود سواه سبحانه ، . . . وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ( يونس : 28 ) ، وفي ذلك إشارة إلى تقرير حقيقة تؤكّد ما تقدّم منا ، وهي أنهم كانوا يقصدون من عبادتهم تلك وجه الحقّ ولكنهم ما كانوا يرون مصداقه الحقّ ، كانوا يُفتّشون في خبايا شُركائهم عن كمالاتهم في رحلة سرابية بِقيعة . الرمزية في لغة الصوفية جليّ للمتتبّع بأنَّ لغة الصوفية هي لغة الرمز ، وأنّ عالمهم هو عالم الرمز ، وهم بأنفسهم كلُّ واحد منهم يمثّل رمزاً اكتنه سرّه ونجواه ، وقد صُنّفت في رمزية الصوفية ما يعسر الإلمام به . ولا ريب بأن هذه الرمزية لم تكن مناشئها ذاتية البتّة ، وإنما هي ترجمة مُبكّرة لجملة من المعطيات الإلهية سجّلت فيها قصب السبق في محاكاة رمزية الحقّ سبحانه ، وُفّقت في بعضها وأخفقت في بعض آخر ، وعجزت عن فكّ رموز السبق الأكبر الذي سجّله روّاد العصمة . وكيف كان ، فإن الصوفية الحقّة « 1 » سبرت غور الرمزية الإلهية ، ونجحت

--> ( 1 ) مراده من الحقّة هو إخراج ما لحقها من زيف عمدي ، حتى بدت الصوفية للناس عبارة عن دروشة وطبول ودفوف ودنابير ، مع أن الصوفية الحقّة هي صولة معرفية صادقة في رحى التوحيد الخالص ، وقراءة عملية جادّة لوحدانية وأحدية الحقّ سبحانه . .